حيدر حب الله
672
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
يضاف إلى ذلك عامل آخر متوقّع أيضا ، ألا وهو عامل نفوذ العقل الفلسفي والعرفاني في الثقافة الفارسية ، وهو نفوذ أثار غضب تيارات تقليدية ، بلغت أرقى أشكالها مع المدرسة التفكيكية الخراسانية التي تزعّمها الميرزا مهدي الأصفهاني ( 1365 ه ) والسيد موسى الزرآبادي ( 1353 ه ) والشيخ مجتبى القزويني ( 1386 ه ) ، ويعدّ محمد رضا الحكيمي أحد أبرز أعلامها المعاصرين ، ربما يكون نفوذ العقل الفلسفي موجبا لشيء من تحديد دور السنّة ، وربما لذلك كان موقف الطباطبائي من خبر الواحد في بعض امتداداته كما سيأتي في الفصل الآخر ، فالجوّ الفلسفي يهيئ لجوّ نقدي عام في المجتمع إزاء مرجعيات النصوص . الأمر الآخر الذي ربما كان له دور رئيس في هذا المجال ، ظهور تيار غير حوزوي في إيران يعالج القضايا الدينية ، إما كان حوزويا وخرج من هذا السلك الديني أو لم يكن منذ البداية ، مثل هذا التيار يساعد عادة على قراءات نقدية للموروث ، انطلاقا من أنّه لا يمثل جزءا من مؤسّسة دينية قد يتعرّض وضعها للخطر نتيجة نقد الموروث نقدا جادا ، وكذلك انطلاقا من وجود حرية علمية وفكرية أكبر عادة - وليس دائما - لهذا التيار في مطاولة قضايا دينية بأسلوب مختلف ، ذلك أنّه لن يكون محاصرا داخل المؤسسة التي يتحرّك فيها ، من هنا لاحظنا أسماء عديدة كانت كذلك مثل حكميزاده ، وحيدر علي قلمداران ، ومحمد باقر البهبودي ، وعبد الوهاب فريد ، ومصطفى حسيني طباطبائي ، وهنا وهناك علي شريعتي وغيره . إن تبلور كيان فكري ديني على هامش الحوزات العلمية أو منفصلا عنها ، أمر عرفته الساحة الإيرانية ، أكثر مما عرفته الساحة العربية الشيعية ، وإن كانت الأخيرة قد شهدته أيضا بدرجة أقلّ ، مثل أحمد رضا ، وأحمد عارف الزين و . . ، فتأثيرات المدّ الماركسي الأحمر أو القومية العربية في حوزة النجف وبلاد الشام لم تؤدّ إلى تكوين تيار عتيد منفصل عن الحوزة العلمية ، مما فرض عليه إجراء تعديلات داخلية بطيئة نسبيا ، فلم يعرف الشيعة العرب قبل التسعينات تيارا من هذا النوع كما حصل مع السنّة العرب منذ محمد توفيق صدقي ، وعلي عبد الرازق ، وطه حسين ، وحتى محمد أركون ، ونصر حامد أبو زيد ، ومحمد شحرور و . . وحتّى أمثال الدكتور العراقي علي الوردي لم يكن يمكن لنا أن نحسبه على هذا الجوّ ، فقد كان ظاهرة محدودة جدا ، على أنّ معالجاته في مهزلة العقل البشري ، ووعّاظ السلاطين كانت منطقية واجتماعية . ويعزّز الظاهرة عدم نفوذ الفكر الشيعي ورجال الشيعة العرب في المجال الجامعي ، بينما كانت طهران تعرف جامعة المعقول والمنقول ( كلية الإلهيات فيما بعد ) منذ عقود طويلة ، ولهذا وجدنا أن العرب السنّة - حيث شهدوا ظهور الجامعات منذ فترة بعيدة -